أبي الفرج الأصفهاني

143

الأغاني

غنّى الحسين بن محرز في البيت الأوّل والبيت الخامس من هذه القصيدة ثقيلا أوّل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى من روايتي بذل والهشاميّ . أنب لبنى زوجها لافتضاح أمره بشعر قيس فغضبت : حدّثني المدائني عن عوانة عن يحيى بن عليّ الكنانيّ قال : شهر أمر قيس بالمدينة وغنّى في شعره الغريض ومعبد ومالك وذووهم ، فلم يبق شريف ولا وضيع إلَّا سمع بذلك فأطربه وحزن لقيس ممّا به . وجاءها زوجها فأنّبها على ذلك وعاتبها وقال : قد فضحتني بذكرك . فغضبت وقالت : يا هذا ، إني واللَّه ما تزوّجتك رغبة فيك ولا فيما عندك ولا دلَّس أمري عليك ، ولقد علمت أني كنت زوجته قبلك وأنه أكره على طلاقي . وو اللَّه ما قبلت التزويج حتى أهدر / دمه إن ألمّ بحيّنا ، فخشيت أن يحمله ما يجد على المخاطرة فيقتل ، فتزوّجتك . وأمرك الآن إليك ، ففارقني فلا حاجة بي إليك . فأمسك عن جوابها وجعل يأتيها بجواري المدينة يغنّينها بشعر قيس كيما يستصلحها بذلك ؛ فلا تزداد إلَّا تماديا وبعدا ، ولا تزال تبكي كلَّما سمعت شيئا من ذلك أحرّ بكاء وأشجاه . وسط بريكة في لقائها ، وشعره في ذلك : رجع الحديث إلى سياقته . وقال الحرمازيّ وخالد بن جمل : كانت امرأة من موالي بني زهرة يقال لها بريكة من أظرف النساء وأكرمهنّ ، وكان لها زوج من قريش له دار ضيافة . فلما طالت علَّة قيس قال له أبوه : إني لأعلم أن شفاءك في القرب من لبنى فارحل إلى المدينة . فرحل إليها حتى أتى دار الضيافة التي لزوج بريكة . فوثب غلمانه إلى رحل قيس ليحطَّوه . فقال : لا تفعلوا فلست نازلا أو ألقى بريكة فإنّي قصدتها في حاجة ؛ فإن وجدت لها عندها موضعا نزلت بكم وإلَّا رحلت . فأتوها فأخبروها . فخرجت إليه فسلَّمت عليه ورحّبت به وقالت : حاجتك مقضية كائنة ما كانت ، فانزل . فنزل ودنا منها فقال : أذكر حاجتي ؟ قالت : إن شئت . قال : أنا قيس بن ذريح . قالت : حيّاك اللَّه وقرّبك ! إنّ ذكرك لجديد عندنا في كل وقت . قال : وحاجتي أن أرى لبنى نظرة واحدة كيف شئت . قالت : ذلك لك عليّ . فنزل بهم وأقام عندها وأخفت أمره ، ثم أهدى لها هدايا كثيرة وقال : لاطفيها وزوجها بهذا حتى يأنس بك . ففعلت وزارتها مرارا ، ثم قالت لزوجها : أخبرني عنك : أنت خير من زوجي ؟ قال : لا . قالت : فلبنى خير منّي ؟ قال : لا . قالت : فما بالي أزورها ولا تزورني ؟ قال : ذلك إليها . فأتتها وسألتها الزيارة وأعلمتها أن قيسا عندها . فتسارعت إلى ذلك وأتتها . فلمّا رآها / ورأته بكيا حتى كادا يتلفان . ثم جعلت تسأله عن خبره وعلَّته فيخبرها ، ويسألها فتخبره . ثم قالت : أنشدني ما قلت في علَّتك ؛ فأنشدها قوله : أعالج من نفسي بقايا حشاشة [ 1 ] على رمق والعائدات تعود / فإن ذكرت لبنى هشثت لذكرها كما هشّ للثدي الدّرور وليد أجيب بلبنى من دعاني تجلَّدا وبي زفرات تتجلى وتعود

--> [ 1 ] الحشاشة : بقية الروح في المريض والجريح .